أحمد شاه بن محمد زمان خان السدوزائي مؤسس دولة أفغانستان الحديثة

أحمد شاه بن محمد زمان خان السدوزائي مؤسس دولة أفغانستان الحديثة وأول الشاهات الدرّانيين. ينتسب أحمد شاه إلى الأسرة السدوزائية سيدة عشيرة البوبال زائي من قبيلة الأبدالي (العبدالي أو العبدي) الأفغانية. وكانت منازل الأبداليين في جوار قندهار الهند إلى أن زاحمهم عليها الغلزائيون الأفغان، واضطروهم إلى النزوح شمالاً إلى إقليم هراة، في زمن الشاه عباس الأول الصفوي، الذي عهد إلى المدعو سدو إدارة شؤون القبيلة بعد أن سيطر على إقليم هراة. وظل الأبداليون زمناً يتمتعون بنوع من الاستقلال بزعامة ورثة سدو مع بقائهم على الولاء للصفويين إلى أن سنحت الفرصة لأسد الدين خان فاحتل هراة سنة 1116هـ/1704م مستفيداً من ضعف الشاه حسين تاسع شاهات الصفويين. وتمكن من فرض سيطرته على جزء كبير من خراسان، ولم تفلح جهود الصفويين في استرداد هراة حتى سنة 1141هـ/1728م عندما نجح القائد الصفوي نادر شاه في إخضاع الأبداليين بسبب شقاق نشب بين فرعي الأسرة السدوزائية أدى إلى إضعافها. 

ولم يمض وقت طويل حتى تمرد الأبداليون من جديد بزعامة ذو الفقار بن زمان خان الأخ الأكبر لأحمد شاه، ولكن نادر شاه هزمهم من جديد ودخل هراة سنة 1144هـ/1731م ونفى زعماء الأبداليين وشتت أعداداً كبيرة منهم في مدن خراسان. وكان نصيب ذو الفقار وأخيه الصغير أحمد النفي إلى فرح جنوبي هراة. ولمس نادر شاه في الأبداليين كفاية قتالية عالية فجند أعداداً كبيرة منهم في جيشه بعد أن اغتصب العرش الصفوي سنة 1148هـ/1736م. كما سمح للقبيلة بالعودة إلى منطقة قندهار بعد أن استخلصها من يد الغلزائيين خصومهم، وأطلق سراح الأخوين ذو الفقار وأحمد اللذين كانا في أسر هؤلاء وقربهما، فجعل من أحمد خان ضابطاً في جيشه وحاملاً لسلاحه (ياصوال). وكانت هذه الفرصة مناسبة ليظهر أحمد خان خصاله ومزاياه فاستعمله نادر شاه حاكماً على مازندران، ثم قائداً لفرقة الأبداليين في جيشه عندما غزا الهند. وبعيد اغتيال نادر شاه في جمادى الآخرة سنة 1160هـ/حزيران 1747م على يد القزل باش، قرر أحمد خان الارتحال مع جنوده الأفغانيين إلى قندهار، وتم انتخابه من زعماء الأبداليين وزعماء القبائل الأفغانية الأخرى شاهاً عليهم، فاستقر به المقام في قندهار واتخذ لنفسه لقب «درّي درّان» أي درة الدرر، وسكه على نقوده، وعُرف الأبداليون منذئذ بالدرّانيين.

أسند أحمد شاه مهام الوزارة، وهي الرئاسة الثانية في أفغانستان، إلى جمال خان زعيم قبيلة البارك زائيين المنافسة، وظل هذا التقليد قائماً مدة قرن، إذ يكون شاه أفغانستان دارنياً ووزيره من البارك زائيين.

    اتخذ أحمد شاه من قندهار عاصمة له بادئ الأمر، ونهج على خطا نادر شاه الذي اتخذه مثالاً يحتذى. فألف فرقة خاصة به عرفت باسم «غلام شاهي» تضم عناصر محاربة من الطاجيك والقزل باش واليوسف زائيين مع اعتماده بالدرجة الأولى على أتباعه من الدرانيين. ولما كان أحمد شاه شديد الطموح ويعد نفسه وارثاً لأملاك نادر شاه الشرقية، أي البلاد الواقعة غرب نهر السند، فقد عمد إلى جمع شمل الأفغان في دولة واحدة. فضم إليه غزنة وكابل وبلخ واستولى على بشاور، وانتزع هراة من شاه رُخ حفيد نادر شاه، وأقام ابن تيمور حاكماً عليها سنة 1165هـ/1752م، ثم راح يوسع حدود دولته شمالاً حتى نهر جيحون وبحر قزوين، وتوقف في الغرب عند مدينة مشهد التي تركها لشاه رخ احتراماً لذكرى جده، وضم إليه من الجنوب سجستان وبلوجستان، ونظم شؤون الدولة الداخلية، وابتنى عاصمة دعاها أحمد شاهي قرب قندهار واستمال إليه القبائل فأعفاها من الخراج مقابل الولاء والتجنيد في جيشه.

وجد أحمد شاه في الهند مسرحاً مناسباً لإشغال عسكره، ومصدراً ثرياً لتمويل مشاريعه، وكانت سلطنة دهلي المغولية التيمورية قد تزعزعت أركانها بسبب الخلافات الداخلية وغزوات نادر شاه التي أنهكتها، فتوجه إليها أحمد شاه يريد غزوها. وتعد حروبه في الهند من أهم أعماله العسكرية والسياسية، فقد غزاها تسع مرات بين عامي 1160و1180هـ/1747و1769م ولكنه لم يعزم أبداً على أن يقيم سلطنة راسخة له في الهند. ومع أن أسباب النجاح كانت متوافرة لديه فقد أخفقت أولى غزواته التي انطلق بها من بشاور في ذي الحجة سنة 1160هـ/كانون الأول 1747م فاستولى على لاهور وسرهند، ولكن جيشاً تيمورياً هزمه في مانوبور في ربيع الأول 1161هـ/آذار 1748م بقيادة معين الملك ميرمانو ابن الوزير قمر الدين الذي قتل في أول اشتباك مع الدرانيين.

تراجع أحمد شاه إلى قاعدته في أفغانستان. وكوفئ معين الملك بتعيينه حاكماً على البنجاب. إلا أنه لم يكد يستقر في عمله الجديد حتى عاود أحمد شاه الغزو في أوائل عام 1163هـ/ كانون الأول 1749م فعبر نهر الهندوس بجيشه وأجبر معين الملك على الخضوع والتنازل له عن إقليمي لاهور والملتان، ثم ارتد إلى عاصمته قندهار. وطبقاً لاتفاق مع دلهي حصل أحمد شاه على خراج جهار محل (كجرات، وأورنغ باد، وسيالكوت، وباسرور) التي كان سلطان المغول محمد شاه قد أقطعها نادر شاه في سنة 1152هـ. وفي غياب أحمد شاه في البنجاب تآمر عليه أحد القادة السابقين المدعو نور محمد علي زائي وسعى إلى عزله، إلا أن المؤامرة أحبطت وأعدم زعيم المتآمرين قبل عودة أحمد شاه إلى قندهار. وفي السنوات الأربع التي تلت شغل أحمد شاه بتثبيت حدوده الغربية، ولم تكد تنصرم سنة 1163هـ/1750م حتى كان قد سيطر على هراة ومشهد ونيسابور، واضطر شاه رخ إلى التخلي له عن عدة مقاطعات تتاخم هراة. وفي السنة نفسها اصطدم أحمد شاه بقوى القاجاريين المتنامية وأخفق في دحرهم عند استراباذ فلم يستطع التقدم غرباً إلى أبعد من ذلك، إلا أنه حقق نجاحاً أكبر عندما اجتاز جبال هند كوش فضم بلخ وبذخشان حتى بلغ جيحون وهو أقصى حدوده الشمالية.

كان امتناع معين الملك، مجدداً عن دفع الخراج وتسديد الالتزامات التي تعهد بها، سبباً مباشراً لقيام أحمد شاه بحملته الثالثة على الهند في عام 1165هـ/1751م. فحاصر لاهور أربعة شهور واجتاح أرباضها وهزم معين الملك ميرمانو، وضم إليه كشمير ثم قفل راجعاً إلى أفغانستان.

توفي معين الملك في أواخر 1166هـ وانتقلت السلطة إلى أرملته مغلاني بيكم، فكان عهدها عهد اضطراب استغله الوزير المغولي عماد الملك لإعادة سلطة دلهي على البنجاب، وولى عليها حاكماً يدعى أدينة بك. فسار أحمد شاه إلى لاهور للمرة الرابعة يريد استرداد ما فقد، ووصلها في أول عام 1170هـ/ أواخر 1756م، وطرد أدينة بك منها، ثم توجه إلى دلهي فدخلها من غير مقاومة في أوائل صفر 1170هـ/ كانون الثاني 1757م، وفي ركابه سلطان المغول عالم كير الثاني ووزيره غازي الدين، وانضم إليه زعيم الرهيلة نجيب الدين. مكث أحمد شاه في المدينة أربعين يوماً أباحها لجنوده، وضربت عملة ذهبية في ذكرى هذا الفتح، وكان نصيب مدن متهورا وبرندبان وآكرا مثل دلهي. إلا أن انتشار الريح الصفراء (وباء الهيضة) بين جنود أحمد شاه اضطره إلى مغادرة الهند بعد أن الحق إقليم السرهند بأملاكه وسلم السلطة في دلهي إلى نجيب الدولة، وأقام ولده تيمور نظاماً نائباً على البنجاب، وزوجه ابنة السلطان عالم كير الثاني، في حين تزوج هو من ابنة السلطان الأسبق محمد شاه. ولم يكد يغادر أحمد شاه البلاد حتى رفع السيخ المتحالفون مع أدينة بك راية العصيان من جديد على ابنه تيمور واضطروه إلى مغادرة البنجاب. ودخل أدينة لاهور في حين احتل السيخ أمرتسار ونهبوا إقليم سرهند. وانضم المهرات إليهم بتحريض من الوزير غازي الدين فجبوا خراج البنجاب عام 1173هـ/1759م. عندئذ قرر أحمد شاه غزو الهند من جديد للمرة الخامسة في 11731175هـ/17591761م. ولكنه توجه قبل ذلك إلى خلاط في بلوجستان لإخضاع نصر خان زعيم إحدى القبائل العاصية. ومع أن الدراني أخفق في دخول المدينة فقد أعلن نصر خان خضوعه وتعهد بتقديم قوات من عنده لتنضم إلى جيش الشاه. وبعد أن اطمأن أحمد شاه إلى أمور دولته قصد الهند على جناح السرعة مستهدفاً البنجاب. وأحس المهرات بقدومه فغادروها ولجؤوا إلى دلهي، ثم تركوها إلى الدكن عندما اقترب الشاه منها. وقبيل انسحابهم قتل الوزير غازي الدين السلطان عالم كير الثاني ليتخلص منه، في حين فر الأمير علي جوهر الذي أصبح سلطاناً باسم شاه عالم الثاني، والتجأ إلى الإنكليز.

    لم يشأ أحمد شاه دخول دلهي هذه المرة لخرابها الشديد، فاكتفى بوضع حامية صغيرة فيها وتقدم إلى منطقة دوآب. وكان المهرات (المراهتة) قد نظموا صفوفهم من جديد وتقدموا بجيش لجب ضم نحو 300 ألف مقاتل و300 مدفع وفرقة مدربة على القتال الحديث بإشراف ضباط فرنسيين. وكان يقود هذا الجيش شقيق زعيم المهرات سداشيوبهاو، والتحق به السيخ وقبائل الهندوس الأخرى في المنطقة. أما جيش أحمد شاه والقبائل المسلمة التي انضوت تحت لوائه فلم يكن يزيد على 80 ألف مقاتل، ولا يملك سوى 20 مدفعاً، وعماده الأساسي الفرسان الأفغان من الأبدالية وغيرهم.

دخل المهرات دلهي من دون مقاومة، والتقى الجيشان في 21 ربيع الثاني 1175هـ/13 كانون الأول 1761م عند باني بت (بنيبت) التي اختارها أحمد شاه مسرحاً للمعركة المقبلة. واستهلا الموقعة بمناوشات صغيرة ثم تطورت إلى قتال طاحن تقدم فيه المهرات تحت غطاء من نيران مدافعهم، حتى تزعزعت مواقع الأفغان. إلا أن هجوماً مضاداً مباغتاً شنه أحمد شاه الدراني بفرسانه رد الأعداء على أعقابهم، وأوقع الذعر والاضطراب في صفوفهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، تلاحقهم قوات الدراني ويتخطفهم أهل القرى، فقتل من قتل من زعمائهم، ووقع في الأسر أعداد كبيرة منهم. واكتفى أحمد شاه بالنصر فلم يعمد إلى مطاردتهم ولم يفد في الوقت نفسه من نتائج هذا النصر لاستعادة ما فقد، بل قفل راجعاً إلى أفغانستان. ولم يكن السلاطين التيموريون قادرين على ملء الفراغ السياسي والعسكري الذي تركه في الهند بعد انسحابه، فاستغل الإنكليز الوضع لمصلحتهم وراحوا يمدون نفوذهم إلى المتنازعين على السلطة في دلهي، كما عاد السيخ إلى تمردهم، وراحوا يهاجمون خطوط مواصلات الأفغان في شمالي الهند. ومع أن نجيب الدولة وفق في دفعهم عن دلهي زمناً فقد نجح هؤلاء في اجتياح البنجاب سنة 1175هـ/1762م وحاصروا جنديالة، إلا أنهم غادروها على جناح السرعة عندما فوجئوا بقدوم أحمد شاه، في حملته السادسة، الذي عمد إلى مطاردتهم من دون إبطاء وألحق بهم هزيمة منكرة قرب غجروال. ويطلق السيخ على هذه الوقعة اسم «غلو غارة» أي الغارة الكبرى.

    مكث أحمد شاه في البنجاب تسعة أشهر أعاد في أثنائها ضم كشمير إلى مملكته بعد أن كان حاكمها الأفغاني قد استقل بها. ولم يمتنع السيخ بعد هزيمتهم تلك عن مجاهرة الأفغان العداء، فراحوا يتربصون بالحاميات الأفغانية في كل مكان، واضطر أحمد شاه إلى القيام بثلاث حملات أخرى فيما بين 1177و1182هـ/17641769م لإخضاعهم من دون تحقيق نتائج ذات شأن. كما أنه أدرك استحالة المحافظة على ممتلكاته البعيدة هذه بالقوة لقلة الوسائل المتاحة له، فسعى في غزوته الأخيرة إلى استمالة السيخ إلى جانبه سلماً، فلم يزدهم ذلك إلا عتواّ.

    اتصف عهد الدراني داخلياً بهدوء نسبي لم يخل من بعض حركات التمرد البسيطة التي غالباً ما كانت تحدث في غيابه في حروب الهند. ومن ذلك ثورة الغلزائيين نحو سنة 1167هـ/1754م بزعامة نادر شاه الغلزائي، ومنها أيضاً تمرد نصر خان حاكم بلوجستان واستقلاله بها 1172هـ/1759م وعصيان قبائل الأيماق التركية المغولية في ضواحي هراة 1177هـ/1763م، والاضطرابات الخطرة التي حدثت في خراسان سنة 1180هـ/1767م. كما شهد عصره تمرد بعض جنوده أو تخليهم عنه لما كانوا يكابدونه من مشاق في تحركاته السريعة، ولتأخر مرتباتهم. وعندما أخذ نشاطه يخونه في أواخر أيامه وأحس بالخور والإنهاك اعتكف في مرغاب في جبال توبا من بلاد الأشزائيين، ولم يلبث أن توفي ودفن في قندهار، مخلفاً مملكة مترامية الأطراف صعبة الإدارة، سرعان ما تفككت أوصالها في ظل خلفائه، ولم يبق منها سوى أفغانستان المعروفة.

    كان أحمد شاه دراني جندياً بالفطرة يملك صفات الزعامة ويتحلى بالشجاعة والحزم والكرم وحسن الإدارة فضلاً عن مواهبه العسكرية في التعبئة وإدارة المعارك. وقد أحبه الأفغان فأطلقوا عليه لقب بابا أحمد شاه ومكنته الأموال التي استولى عليها في حملاته من تجنب فرض الضرائب على رعيته. كما أدرك ببعد نظره وثاقب بصيرته استحالة تعزيز فتوحاته في الأقاليم البعيدة أو فرض حكم مباشر عليها، فتركها في أيدي أفراد يدينون له بالاسم، ويرى فيه كثيرون صورة جديدة لمحمود الغزنوي[ر] ومحمد الغوري[ر] اللذين عملا على نشر الإسلام في الهند وترسيخ أركانه فيها. ومما لاشك فيه أن أحمد شاه رجل من أعظم الرجال الذين عرفتهم أفغانستان في تاريخها الحديث، ومؤسس أول دولة أفغانية مستقلة.

المصدر : الموسوعة العربية 

اضف رد