فى مدينة العـقاد (406).. الإسلام والحضارة الإنسانية (15)



وهذا العنوان لكتاب وضعه الأستاذ «روم أولاند» أستاذ الدراسات الإسلامية ودراسات أفريقيا الشمالية فى جامعة المحيط الهادى بكاليفورنيا، تناوله الأستاذ العقاد بمقال بمجلة الأزهر فى نوفمبر 1961، وذكر للمؤلف أنه يُحسب له أنه يشغل نفسه بالتفتيش عن الجانب السليم أو جانب الأمل من الحياة الدينية والدنيوية للمسلمين، ولا ينشغل بالبحث عن الجوانب التى تبعث على التشاؤم.

وعلى هذه السنة جرى المؤلف فى الكتابة عن حالة المسلم العصرى المثقف، وغير المثقف، فى مراكش بعد استقلالها.

ويذكر الأستاذ العقاد ردّ الأستاذ رولاند الفاهم على سائح زعم عن جهل بانفضاض البلاد عن الدين وإقبالها على المراسم الأوروبية، وأوضح الأستاذ «لاندو» فى ردّه أن «الفكريين» Intellectual المزعومين فى الحديث الملبوس ـ لا يمثلون أحدًا غير أنفسهم فى الأمة المراكشية فى حياتها اليومية.

وسرد الأستاذ «لاندو» أحاديث شتى سمعها من الشبان والشابات المراكشيين، وجملة من المشاهدات التى مرَّ بها اتفاقًا، وأبدى للأوروبيين أنهم بتعجلهم يخطئون الظن وتفسير ما اعتبروه علامة على المروق من العقيدة انخداعًا بظواهر لا تؤدى لذلك، بل وقد تؤدى إلى عكس المظنون فيها.

ويضيف الأستاذ العقاد أن هؤلاء قد خفى عليهم التفرقة بين الدلالات العارضة والدلالات الدائمة فى كتابات مؤرخى القرون الخالية، فخطرت لهم خواطر أثبتت العبر بعد ذلك خطأها.
أفغانستان وانتشار الإسلام فى الهند

يتواصل الأستاذ العقاد فى هذا المقال، مع ما كان قد قاله فى مقال سابق عن استقلال الأفغان وسببه ودلالته، ثم يسجل هنا أن شعب الأفغان وقبائلها لا تلتقى فى وحدة حكومية، وكانت الدول من حولها «إمبراطوريات» شاسعة الأطرف، كإمبراطورية أبناء السماء، وإمبراطورية الدراجات، وإمبراطورية الفرس.

فماذا تصنع أفغانستان بين هذه الإمبراطوريات التى أفرزت من حولها دولاً كبارًا كالهند والصين وإيران وجمهوريات الإتحاد السوفييتى الجنوبية ؟

قبل ذلك، فى العصر الوسيط، كانت أفغانستان قد استطاعت إزاء ذلك ـ على ثلاث صور :

فى الصورة الأولى، زالت الدولة الأموية وقامت مكانها الدولة العباسية، يومها أعرضت خراسان عن الأولى، وجنحت إلى الثانية : الدولة العباسية قبل أن تتعرض للضعف ثم للزوال يوم أن فقدت معونة خراسان الأفغانية.

وفى الصورة الثانية، أثبتت أفغانستان مكانها فى الدولة وأخرجت للعباسيين بيوت الوزارة والولاية من البرامكة والطاهريين والسامانيين.

وفى الصورة الثالثة، تكفلت أفغانستان لدولة بغداد بفتح الهند ونشر الإسلام فيها، فكان جانبها هو الجانب الوحيد الذى اتسع بالفتح وانتشار الإسلام.

والدول الأفغانية الثلاث التى نهضت بفتح الهند هى : دولة بنى سبكتكين، ودولة الغوريين، ودولة آل قيلجى، ولا سيما علاء الدين.
***
ولم يكن سبكتكين من صميم أبناء الأفغان، ولكن نشأته أفغانية وكذلك دولته وقوته التى اعتمد عليها فى حكمه وفى فتوحاته.

والإسلام دخل الهند عن طريقين : طريق الفتوح، وطريق الرحلة والتجارة، والواقع أن من دخلوا الإسلام لم يدخلوه بالسيف، وإنما كان الناس يدخلون الإسلام بعد الفتح مختارين بفعل السياسة الرشيدة والمعاملة الحسنة.
***
ويرى الأستاذ العقاد أن نصر المسلمين فى الهند ـ كان آية عند الهنود من آيات المشيئة الإلهية، وأقنعهم بمصدره الإلهى أن المسلمين انتصروا على جيوش تفوقهم عددًا وعدةً، وتقيم فضلا عن ذلك فى مواطنها ووسط مواردها وإمداداتها وتموينها من الجند والمؤن والمال.

ولم يكن قادة الدول الأفغانية فاتحين للبلدان وكفى، ولكنهم كانوا فاتحين للقلوب والعقول.

وعرف خلفاء بغداد هذا الفضل لقادتهم الأفغان المفلحين.

ويقفى الأستاذ العقاد بأن موضع الاستفهام عن قوة الخلق الأفغانى، يلقى جوابه فى خلق قوى لم يعوزه الطموح، وعلو همة أثبت نصيبه فى خير صورة تلائمه وتنفعه ويؤدى بها أمانته القومية.

وواجب أن أتساءل، مَنْ بعد الأستاذ العقاد يستكمل لنا المهمة، ويوالى البحث المخلص والدراسة العميقة، ليبين ما الذى حدث للأفغان ولأفغانستان، وماذا يمكن أن تؤول إليه الأحوال بعد المشاهد المتتالية والمفزعة التى رأيناها فى السنوات الأخيرة، وكيف لأفغانستان والأفغان أن يخرجوا من هذا المأزق، ويوالوا العطاء للإسلام الصحيح، لا للإسلام المزيف الذى ابتدعه الشاردون عن الإسلام والمتواطئون عليه وعلى المسلمين!!!

المصدر : جريدة المال

اضف رد