أبو منصور الأزهريّ أحد الأئمة في اللغة والأدب

أبو منصور محمد بن أحمد الهرويّ، الأزهريّ 

(نسبة إلى جدّه الأزهر). أحد أئمة اللغة والأدب، كان شافعي المذهب شديد الورع عُني  بالفقه فاشتهر به أولاً وعني كذلك بالحديث والتفسير، ثم غلب عليه الاهتمام باللغة فتعمق فيها، ووقف على دقائقها فكان عمدة الفقهاء في تفسير ما يُغمُ عليهم من الألفاظ اللغوية المتصلة بالفقه.

مولده ونشأته (282 – 370 هـ = 895 – 981 م)

ولد في هَرَاة ( هرات ) بخراسان ( افغانستان حاليا)، وبها نَشَأَ وتلقّى علومه الأولى، وممّن أخذ عنهم في هراة من شيوخه: أبو الفضل المُنذري (ت329هـ)، وأبو محمد المزنيّ (ت361هـ)، وأبو بكر الإيادي الذي أثنى عليه الأزهري كثيراً، وذكر أنه قرأ عليه كتاب النوادر للحّياني، كما سمع منه ماكتب الكسائي في معاني القرآن، وقراءات القرآن، ومنهم أحمد بن علي بن رزين، قرأ عليه الأزهري كتاب الكسائي في قراءات القرآن، وأبو بكر بن عثمان السّجزي، وسمع منه بهراة كتاب أبي حاتم السجستاني في قراءات القرآن، وقال أبو منصور في تهذيب اللّغة: «ماكان في كتابي لأبي حاتم في القرآن عن أبي زيد فهو ممّا سمعته من أبي بكر بن عثمان السجزي». 

طلبه للعلم

ثم قدم بغداد، وهو شاب فأخذ عن أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بـ«نفطويه» (ت323هـ ). ورأى في بغداد أبا إسحاق الزجاج (ت311هـ) وقال: «ماوقع في كتابي من تفسير القرآن فهو من كتابه (يعني الزجاج: معاني القرآن وإعرابه) ولم أتفرّغ ببغداد لسماعه منه». كما رأى أبا بكر بن القاسم الأنباري (ت321هـ) في داره ببغداد غير مرة ولكنه لم يروِ عنه. 

رب ضرة نافعة ( من القصصة الطريفة )

حجّ سنة  إحدى عشرة وثلاثمئة، فلما رجَع وقع في أسر القرامطة بقيادة أبي طاهر الجناني بالهبير، وهو رمل زَرُود بطريق مكة، وكان القوم الذي وقع في سهمهم عرباً من أهل البادية من قبيلة هوازن يتكلمون على السجية بطباعهم البدوية، ولا يكاد يقع في كلامهم لحن أو خطأ لغوي، فبقي في إسارهم مدة طويلة، أفادته اطلاعاً واسعاً على اللغة وألفاظها وأثبت أكثرها في كتابه «تهذيب اللغة» ثم دخل بغداد وعزز تحصيله العلمي على أيدي بعض العلماء ثم عاد إلى هراة حيث اشتغل بتدريس الفقه على المذهب الشافعي حتى توفي.

مساهماته وكتبه

انتفع بعلمه كثيرون من أشهرهم أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت 401هـ) صاحب كتاب «الغريبين» ومنهم أبو يعقوب القراب السرخسي الهروي، كان محدث هراة، وأبو سعيد بن علي بن عمرو، وهو الذي روى عن الأزهري كتاب «معاني القراءات» وأبو ذر، عبد الله بن أحمد الحافظ الهروي عالم بالحديث من فقهاء
المالكية، له كتب جليلة في التفسير والحديث.

ترك الأزهري مصنفات كثيرة في اللغة والغريب والقراءات بلغت ثمانية عشر كتاباً، منها: كتاب

«علل القراءات»

«تفسير أسماء الله عز وجل» 

«معاني شواهد غريب الحديث» 

«الرد على الليث» 

«تفسير شعر أبي تمام» 

«الزاهر في غرائب الألفاظ التي تستعملها الفقهاء» 

«معاني القراءات» 

«تهذيب اللغة» وهو معجم من أوثق المعجمات  وأصحِّها.

وقد قصد الأزهري بتسميته هذه نفي ما أدخل على لغة العرب من الألفاظ المصّحفة غير الفصيحة وتهذيبها، وحرص على أن يودعه ما صحّ له سماعاً من لغة العرب أو ما روي عن ثقة أو ما وقع في تضاعيف كتاب يثق بصاحبه ورتبه وفق مخارج الحروف على نهج الخليل بن أحمد في معجم «العين»، ومع أخذه بمنهج الخليل، ولكنه خالفه في أمور منها التفريق بين المعتل والمهموز.

جمع الأزهري في «تهذيب اللغة» كثيراً من النصوص اللغوية ونسبها إلى أصحابها وصحح مصحَّفها وأودعه فوائد لغوية نفيسة وذكر في مقدمته العلماء الذين أخذ عنهم وجعلهم
طبقات. كما عُني بذكر البلدان والمواضع والمياه عناية كبيرة، حتى عُدّ كتابه من أصح المصادر في هذا الموضوع، وحمل  فيها  على الليث بن المظفر، واتهمه بأنه نحل الخليل بن أحمد كتاب العين لينفقّه باسمه، ويرغب فيه من حوله، وأنه أدخل فيه أشياء ليست للخليل، لأن الخليل توفي قبل إتمامه كتاب العين.

كذلك نقد كتاب «الجمهرة» لابن دريد واتهمه بتوليد الألفاظ التي ليس لها أصول في اللغة،  وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامهم وتجدر الإشارة إلى أن ابن منظور أوعب معجمه «لسان العرب» ما انطوى عليه التهذيب من مادة لغوية. ومع أن ابن منظور يثني على الأزهري في مقدمة معجمه «لسان العرب» فيقول:«ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري» فإنه وجد منهجه صعب الاتباع لذكره الكلمة، وما ينشأ عنها بالقلب، ولتفرده بذكر ألفاظ لم يسمع ببعضها، ولإهماله أبنية مستعملة، وغير ذلك من المآخذ، ولذلك عزا ابن منظور انصراف الناس عن التهذيب وعمّا ألف على غراره إلى سوء الترتيب.

وأما كتابه «معاني القراءات» فمعدود في جملة كتب الأصول التي صنفت في علم القراءات القرآنية، استقى معظم مادته من كتاب «السبعة في القراءات» لابن مجاهد، واعتمد في توجيه القراءات على كتاب «معاني القرآن وإعرابه» للزجّاج و«معاني القرآن» للفرّاء، وجاء أسلوبه سهلاً سلساً توخى فيه إفهام المعاني، واستعمل تسميات لبعض سور القرآن الكريم تختلف عن أسمائها في المصحف الشريف ولم يثقله بما يسمى عند أهل القراءات «الفرشَ» كما ابتعد عن ترجمة الآيات المتشابهة في موطن واحد ويقوم منهج الأزهري فيه على إيراد الوجوه التي قرئت بها آي الذكر الحكيم، وإيضاح علل كل قراءة، مع الاستعانة بالشرح اللغوي والتخريج النحوي، وبيان الوجه المرجح عنده.

ومما يحمد للأزهري في هذا الكتاب أمانته العلمية وإشارته إلى لغات القبائل العربية أو لهجاتها كلما استدعى السياق لذلك، وشرح دلالات الألفاظ وتأصيلها، إلى جانب تقييد بعض الأحكام الفقهية التي تسهم في إيضاح ما يحيط بالآية من متممات تفسيرها.

اضف رد