دخول اللغة العربية إلي أفغانستان‌

اللغة العربية قد واكبت الإسلام مع الجيش الإسلامي الذي اقتحم الأراضي الأفغانية بقيادة الأحنف بن قيس في سنة 22 هـ .

هذا ما قاله من تناول هذا الموضوع و أما قبل هذا فلم نعثر علي تنويه يلهمنا معرفة بدخول اللغة العربية إلي هذه البلاد قبل الإسلام‌، و من الثابت أن العرب كانت لها علاقات تجارية مع الهند قبل الإسلام‌، و أن القوافل العربية كانت ترد الهند، و تنقل السلع الهندية من المنسوجات الفاخرة و الظروف و السيوف المعروفة بالمهند إما عن طريق البحر أو عن طريق البر، فكانت أفغانستان ممر تلك القوافل‌، و يقول الأستاذ عبد الحي حبيبي‌: كانت أفغانستان في القرن السادس و السابع قبل الميلاد طريقا معروفا لتجارة الحرير بين الهند و الفارس و الصين‌، و أن القوافل لتجار الهند و فارس و الصين و ماوراء النهر كانت تمر علي هذه الأرض إلي البلاد العربية و مصر، و كانت هناك مراكز هامة في هذه البلاد.

و اعتبر الأستاذ حبيبي التجارة من أهم وسائل لتبادل الثقافات و توطيد العلاقات الثقافية فكانت أفغانستان معبرا هاما لنقل الأموال التجارية من الهند و الصين إلي البلاد العربية و مصر، فكانت المنطقة ملتقي الثقافات، و قال كان هناك ثلاثة طرق لهذه القوافل التجارية و من أهمها هي التي کانت توصل نيسابور بهراة الأفغانية متجهة نحو سيستان و بست مارا بالرخج منتهية إلي بلاد السند الواسعة‌.

فهذا يقتضي تعارف تقاليدهم و أشكالهم‌، و تآلف لغتهم بين بعضهم البعض‌، و هذا التآلف و الإختلاط کان أكثر بالمدن و المناطق المجاورة لتلك الطرق التي تمر عليها القوافل العربية‌، ولكن علي وجه الدقيق دخلت العربية مع الجيش الإسلامي‌، و وصلت إلي كل زوايا المناطق المفتوحة‌، و عندما وجد الإسلام قنوات إلي قلوب الأفغان فسرعان ما قفزت الكلمات العربية إلي الألسنة «بزغت شمس الإسلام‌، و باسم الإسلام تقدم المسلمون في فتوحهم‌، و باسم الإسلام انتشرت اللغة العربية‌، و آدابها في بلاد الإسلام في بلاد الأفغان‌» و «تشربت مختلف الشعوب القاطنة في أفغانستان الثقافة الإسلامية‌، و عكست باللغة العربية‌» 

و يقول الأستاذ عبد الحي حبيبي‌: «لم يكن الهجوم العربي لقوته و صلابته فتحاً للأراضي‌، و سيطرة علي البلاد، بل كان فتحا روحيا و معنويا و ثقافيا بمعني أن اللغة العربية أصبحت لغة العلم و الثقافة و الحضارة‌، و نري بعد انصرام قرن علي الحكم الإسلامي علي هذه الأرض أن كتابة الشعر و النثر باللغات المحلية قد توارت و اندثرت تماما، و ظهر مئات الشعراء و الكتاب و العلماء و المحققين في اللغة العربية من هؤلاء الخراسانيين الأفغان‌، و اشتهروا في العالم العربي‌، إلي أن‌ّ زمام كثير من الأمور و الحركات الحضارية‌، و النهضات الثقافية كان في أيديهم‌» 

و رأينا أن قادة العرب قد مارسوا سياسات شتي لتثبيت أقدامهم‌، و مل‌ء أدمغة الأمة الأفغانية بالمبادئ الإسلامية السديدة‌، فقد جاؤا بعدد من الفقهأ و الدعاة و علي رأسهم الحسن البصري – رحمه الله – و أسسوا أول مسجد بأرض سيستان‌، و كلما فتحوا منطقة بنوا فيها مسجدا، و عمروا أكثر هذه المساجد علي أماكن المعابد القديمة‌، فاكتظت هذه المساجد بالسكان و الدعاة و الدارسين … و من أهم و أكبر المساجد مساجد هراة و بلخ و غزنة‌، و فصل الأستاد حبيبي الكلام في المساجد و عن نمط بنائها، و ذكر أن أبا مسلم الخراساني بني في نيسابور مسجدا يتسع لستين ألف مصل‌ٍ في وقت واحد، و كانت فيه ألف أعمدة‌، و كان فيه منبر  عديم المثال في خراسان‌.

و لما وصل البرامكة إلي الحكم في بغداد، فقد اعتنوا بإعمار مسقط رأسهم‌، و بفضلهم بنيت المساجد و نمت العلوم العقلية‌، و أصبحت المدن الخراسانية من نيسابور و مرو و هراة و زرنج و بلخ و بست و بغشور و غيرها مهاد العلم و الأدب.

ثم إن الأسر العربية التي انحدرت نحو خراسان إما للنجدة أو العمل أو الهجرة النهائية‌، لم تكن منفصلة في الحياة الظاهرة‌، و لم تكن مجتمعة في نقاط قليلة خاصة للعرب‌، و لم تختر المدن التي احتلتها الجيوش الفاتحة من المدن و القري‌، بل امتزجت بأهل خراسان «و تزوجوا نساء أعجميات‌، و قد تأقلم العرب في وطنهم الجديد، و كانوا يشعرون أنه لا فرق بينهم و بين أبناء البلاد في الوطن المشترك بينهم‌، فكانوا يحسون أنهم خراسانيون‌» و اقتنوا عاداتهم و تقاليدهم و أسلوبهم في اللباس و الأكل‌، و تلقوا نمط حياتهم «و كذلك لم يكن الأعاجم من جانبهم إزاء العرب في خراسان كتلة واحدة و لا هم وقفوا من العرب موقف العداء أو النفور» بل امتزجوابهم‌، و تلقوا ما عندهم من مبادئ سمحاء و تعاليم رشيدة‌، و من الثابت أيضا أن كل الناس يحاولون أن يقلدوا الكتلة المسيطرة الغالبة في شتي الجوانب‌، و يسرعون في تعلم لغتهم و اقتناء تقاليدهم قاطبة‌، و كذلك كانت الكتلة العربية‌، فالأمتان قد اعتنقتا كاعتناق قطرتي الماء، و ذابت إحداهما في الثانية فكل هذا هيّأ جوا مناسبا لنشر اللغة العربية في كافة أصقاع البلاد، و قد خرجت إلي الأزقة و الشوارع‌، و إضافة إلي هذا كانت اللغة العربية لغة الدولة و السياسة و الديوان‌.

عوامل إنتشار اللغة العربية:‌

و من العوامل التي أدت إلي إنتشار اللغة العربية في أفغانستان مايلي‌:

1- العامل الديني‌:

كان للعامل الديني أثر كبير في إنتشار اللغة العربية و ذلك أن نشر الدعوة الإسلامية كان يعتمد علي المصادر العربية و بخاصة القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة و الكتب الشارحة لهما، فأقبل سكان تلك الشعوب علي تعلّم اللغة العربية إيمانا منهم بأن تعلمها هي الوسيلة الوحيدة لفهم الدين الإسلامي الحنيف و دراسة تعاليمه و استنباط أحكامه‌. لذلك فإذا أمعنا النظر في اللغة الفارسية فإننا نكتشف أنها تحتفظ بكثير من الألفاظ و المصطلحات العربية الدينية‌، و ما تزال تستعمل في الحياة اليومية حتي اليوم و لم تستطع اللغة الفارسية القضاء عليها لأن بقاءها كانت ضرورة دينية‌.

2- العامل الثقافي‌:

مع دخول إلاسلام في البلاد الناطقة بالفارسية و منها أفغانستان‌، و اجهت اللغة العربية ظروفا ثقافيا جديدة مختلفة عما كانت عليها. و كان لابد للغة العربية أن تتأقلم في بيئتها الجديدة تلبي حاجات الناس و تستقيم علي ألسنتهم‌. و قد استلزم ذلك إحداث عملية إبدال الحروف الفارسية (الدَّرِيَّة‌ِ) إلي الحروف العربية‌. فكانت هذه نقلة كبيرة نتجت عنها غلبة الثقافة العربية علي كيان الثقافة الفارسية‌. و أبرز هذه الغلبة إنتشار الألفاظ و الكلمات و المفردات و التعابير و المصطلحات العربية في الثقافة و اللغة الفارسية (الدرية‌).

كما كان لمجئ عدد كبير من دعاة المسلمين إلي أفغانستان و قيامهم بمهمة الدعوة و التدريس و تمركزهم في أنحائها أثر كبير في إنشاء المراكز الثقافية و التعليمية من مساجد و كتاتيب و مدارس‌. نتيجة لذلك انتشرت الثقافة الإسلامية المسلحة باللغة العربية‌، و ظهر من أبنائها أناس تعمقوا في الدين و قاموا جنبا إلي جنب مع دعاة المسلمين العرب في نشر اللغة العربية و ثقافتها. و قد كانت الحركة الثقافية أنشط من أي منطقة أخري في العالم، حيث أنشئت المؤسسات الثقافية و دخلت اللغة العربية عالم التدوين. أنشئت الدراسات اللغوية و الأدبية و أصبح علماؤها أكثر حماسا و أوفر حظا في خدمة اللغة العربية‌. كما أعجب علماؤها بالثقافة العربية فدرسوها و فهموها و نسجوا علي منوالها و قلدوها في أشعارهم الفارسية و استعانوا بأوزان الشعر و البحور و القصائد العربية و كان لهذا أثر كبير في دخول عدد كبير من الكلمات في الأشعار الفارسية و قصائدها.

و نتيجة لغلبة الثقافة الإسلامية في البلاد الناطقة بالفارسية و منها أفغانستان المعاصرة أصبحت اللغة العربية لغة الدولة و إدارة الحكم في المحاكم الشرعية و المراسلات الداخلية و الخارجية و خاصة في عهد عبد الملك بن مروان الذي أمر بتعريب الدواوين و جعل اللغة العربية لغة رسمية في دواوين الدولة و صبغ الدولة الإسلامية بصبغة عربية‌. و كان لهذا العمل أثر كبير في غلبة الثقافة العربية و انتشار اللغة العربية في جميع مرافق الحياة‌.

3- العامل التجاري‌:

تمتد جذور العلاقة التجارية بين العرب و أفغانستان إلي ما قبل ظهور الإسلام و ذلك منذ أن نشأت الرحلات التجارية بين شبه الجزيرة العربية و سكان البلاد الناطقة بالفارسية و الصين و الهند.

و كانت القبائل العربية تختلط بالأمم الأخري خاصة أهل الحجاز، مكة و بالأخص قريش‌، فقد كانوا أهل التجارة شمالا إلي الشام و جنوبا إلي اليمن و شرقا إلي الصين و الهند و ذلك من طريق الخط الحريري الذي يعبر من أفغانستان و غربا إلي الحبشة‌.

فتجارة العرب شرقا إلي الهند و الصين و اختلاطهم بالسكان‌، و دخول العرب المسلمين إلي البلاد الناطقة بالفارسية خاصة إلي أفغانستان بعد ظهور الإسلام كالدعاة و التجار الحاملين معهم البضائع و الأفكار، أدي إلي انتشار اللغة العربية و تسرب كلماتها. فأخذ الجانبان كثيرا من الألفاظ المتعلقة بالتجارة و الأدوات و العقاقير و المصنوعات و الأطعمة و الأسلحة و الألعاب و من الأمثلة علي سبيل المثال لا الحصر ما أخذته العربية من الفارسية ألفاظ: الكوز، الجرة‌، الإبريق‌، الطشت‌، الخوان‌، الطبق‌، القصعة‌، السنجاب‌، الدلق‌، السندس‌، الياقوت‌، الفلفل‌، الزنجبيل‌، المسك‌، البنفسج‌، الجلنار، العنبر، الكافور، الدولاب‌، السرداب‌، الطنبور، الفرسخ‌، البالوج‌، الخشاب‌، جلاب‌، الطربوش‌، الشطرنج‌، أي ستة الوان‌، التباشير، الأستوانة‌، و البركار. و ما أخذته الفارسية من العربية من الألفاظ: دكان‌، تاجر، تجارة‌، مال‌، متاع‌، ايجاب‌، قبول‌، امانت‌، عاريت‌.

لقد كانت للصلة التجارية بين العرب و البلاد الناطقة بالفارسية أثر كبير في نشر اللغة العربية حيث كان التجار المسلمون يجمعون بين وظيفة التاجر و الداعية المسلم مما تمكنوا من نشر اللغة العربية و ألفاظها و تعابيرها. فانتشرت تلك الألفاظ و التعابير تدريجيا و توغلت و اندمجت في اللغات المحلية خاصة اللغة الفارسية و ذلك نتيجة الإتصال التجاري المباشر بين العرب و سكان تلك البلاد.

4- العامل الاجتماعي‌

الصلاة بين العرب و البلاد الناطقة بالفارسية قديمة، لأن الخليج الفارسي الذي يفصل بين شبه الجزيرة العربية و بلاد الفرس کان علي مدي الأزمنة سبيل الاتصال بين الأمتين اللتين کانتا تعيشان علي شاطئيه. و من ثم عرفت تلک البلاد أعدادا کبيرا من العرب کما عرفت العرب سکان تلک البلاد و اختلط الجانبان بالسکان بعضهما البعض في فترات متعاقبة من التاريخ. کما کان للظروف التاريخية التي حدثت في البلاد الناطقة بالفارسية و الجزيرة العربية من الحروب و الهجرات الأثر الکبير في انتشار اللغة العربية فيها و خاصة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه و اختلاف المسلمين و انقسامهم إلي شيع و أحزاب في عهد علي رضي الله عنه، و إقامة دولة بني أمية ثم الدولة العباسية و ظهور الفرق و ثورات المختلفة و إخمادها، و ما أسفر عن تلک الأحداث من حراک سکاني بين العرب و البلاد الناطقة بالفارسية، مما أدي إلي عملية المصاهرة و التلاقح الثقافي بينهم و بين العرب. و کان ذلک کفيلا بخلق علاقات لغوية جديدة و انتشار اللغة العربية.

 

و بما أن البلاد الناطقة بالفارسية لم يحدث فيها من الهجرة و المصاهرة مع العرب مثلما حدث في شمال إفريقيا إلا أن العلماء و الفقهاء و حکام تلک البلاد اهتموا بإحلال الدين الإسلامي و ثقافته و نشر اللغة العربية و نجحوا في ذلک نجاحا قل أن يوجد له نظير في العالم، و مع ذلک کان لهجرة القبائل العربية دورها.

يقول دکتور محمد امان صافي في کتابه القيم: «و من المعروف تاريخيا أن القبائل العربية المسلمة التي استقر بها المكان و المقام في أفغانستان بعد فتحها قد تركت أثرا قويا في كل جوانب الحياة فيها … قضت بدينها الإسلامي علي كل العقائد الموجودة فيها، و كما قضت بلغتها العربية علي كل اللغات الموجودة فيها، كذلك قضت بحروفها الهجائية علي هجائيات اللغات الأفغانية‌، و كان لها تأثيرها المؤثر في الحياة الإجتماعية و السياسية و الثقافية‌.»

5- المساجد و المدارس‌

بعد إنتشار الإسلام في ربوع أفغانستان أصبحت المساجد من أهم المراكز التي تدرس فيها العلوم الدينية و علوم اللغة العربية التي كان البدء فيها بتعلم حروف الهجاء العربية نطقا و كتابة ليتمكن الطلبة من قرأة القرآن الكريم و حفظه ثم العلوم الأخري من النحو و الصرف و البلاغة و الفقه و الحديث و العقيدة‌.

بمكن أن نجمل عوامل إنتشار اللغة العربية في أفغانستان في الآتي‌:

1) حب الدين الإسلامي في سكان تلك البلاد و نظرتهم إلي اللغة العربية علي أنها لغة الدين الإسلامي الذي لابد من تعلمها.

2) الصلات السلمية و الحربية بين الجزيرة العربية و البلاد الأفغانية و ما نتج عن ذلك من إرسال الجنود و الدعاة‌.

3) الصلات التجارية حيث كان أفغانستان معبراً للقوافل التجاري إلي الهند و الصين و عكس ذلك‌.

4) المركز الاجتماعي الذي كانت تتمتع به اللغة العربية حيث كانت لغة أصحاب السلطان من الخلفاء و الأمراء و القواد و كان لابد لمن يريد أن يتقرب إليهم أن يتعلم لغتهم‌.

5) الصلات الإجتماعية و السياسية التي حدثت بين العرب و الأفغان بعد ظهور الإسلام و خاصة في العصر العباسي حيث حدثت عملية التزاوج بين الجانبين‌.

6) خلو الجو لتعليم اللغة العربية حيث أصبحت لغة التدريس في المراكز العلمية التي أنشأت في تلك البلاد.

7) إستقرار الجيوش الإسلامية و هجرة بعض القبائل العربية إلي البلاد الأفغانية و انضمام قسم كبير من سكان أفغانستان إلي الجيش الإسلامي و احتكاكهم بها.

8) العمل الديواني في الحكومة الإسلامية كانت بإحدي اللغتين العربية و الفارسية‌.

9) ظهور حركة النقل و الترجمة من الفارسية إلي العربية و بالعكس كترجمة ابن المقفع و أبي ريحان البيروني و الثعالبي‌.

10) ظهور عدد من الأدباء و الشعراء الفرس الذين نظموا باللغة العربية أمثال أبي نواس و مهيار الديلمي و منهم بشار بن برد الطخارستان و  قد أدخلوا كثيرا من الألفاظ العربية في أشعارهم الفارسية و الفارسية إلي العربية‌.

 

المصدر: دي آسيان

اضف رد